ابن كثير

224

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

المراد بقوله : حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا أي أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم ، حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما ، وليس ببعيد . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 60 إلى 61 ] وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 ) يقول تعالى مخبرا عن حقارة الدنيا ، وما فيها من الزينة الدنيئة ، والزهرة الفانية بالنسبة إلى ما أعده اللّه لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم ، كما قال تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [ النحل : 96 ] وقال : وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ [ آل عمران : 198 ] وقال : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ [ الرعد : 26 ] وقال تعالى : بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى الأعلى : 16 - 17 ] وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « واللّه ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم ، فلينظر ماذا يرجع إليه » « 1 » . وقوله تعالى : أَ فَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة . وقوله تعالى : أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ يقول تعالى : أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده اللّه على صالح الأعمال من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة ، كمن هو كافر مكذب بلقاء اللّه ووعده ووعيده ، فهو ممتع في الحياة الدنيا أياما قلائل ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ قال مجاهد وقتادة : من المعذبين . ثم قد قيل : إنها نزلت في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفي أبي جهل . وقيل في حمزة وعلي وأبي جهل ، وكلاهما عن مجاهد ، الظاهر أنها عامة ، وهذا كقوله تعالى إخبارا عن ذلك المؤمن حين أشرف على صاحبه وهو في الدرجات ، وذاك في الدركات ، فقال : وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [ الصافات : 57 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [ الصافات : 158 ] . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 62 إلى 67 ] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 ) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ ( 63 ) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ ( 64 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ما ذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ( 65 ) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ ( 66 ) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ( 67 ) يقول تعالى مخبرا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة حيث يناديهم فيقول : أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ يعني أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا من الأصنام

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 228 ، 229 .